المشروع الاصلاحي في البحرين:

 حالة مخاض ام اجهاض؟

 

عبد الهادي خلف
 


بعد فترة تردد قاربت العام، حسم أمير البحرين امره واعلن عزمه علي تحويل البحرين الي مملكة دستورية، علي غرار الممالك الدستورية المتقدمة، بما فيها حسبما تبين، المملكة الاردنية الهاشمية التي استعار من برنامج ملكها الراحل اهم بنود مشروعه الاصلاحي بما في ذلك ميثاق العمل الوطني.
وكما كان الحال في الاردن، تطلب تسويق ميثاق العمل الوطني في البحرين عددا من الاجراءات غير الاعتيادية كان اهمها الغاء قانون امن الدولة واطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين. وبالاضافة الي هذه الاجراءات الملموسة كانت لتصريحات كبار المسؤولين بمن فيهم الامير نفسه دور واضح في رفع سقف التوقعات الشعبية بان الاصلاحات الاميرية ستضـــع البلاد مرة اخري وسريعا علي طريق بناء الدولة الدستورية.
وفيما عدا اصوات معترضة لا يعتد بها لقلتها برز اجماع شعبي تمثل في حصول ميثاق العمل الوطني كما طرحه الامير علي اصوات الغالبية الساحقة من المواطنين، وتصاعدت نبرة التفاؤل في خطاب النخب السياسية، الموالية منها او المعارضة، وعلي اختلاف تلاوينها، دون اعتبار للمعيقات البنيوية، ناهيك عن الارادة السياسية التي تعيق امتداد الاصلاح الي ابعد من حدود معينة لا يمكـــن تجاوزها.
شكل الاجماع علي الثقة بنوايا الامير الذي كان يردد كلمات الشاعر الراحل، ناظم حكمت، احلي الايام تلك التي لم نعشها بعد قاسما مشتركا بين الجميع. ولا يقلل من ذلك الاجماع اشارات خافتة تحذر من مخاطر الاندفاع غير المدروس وراء مشروع سياسي لا يعرف ابعاده الا الامير وحده. كما لم يقلل من ذلك الاجماع اشارات تحذر من كون المشروع الاصلاحي برمته مرتبطا بحاجة الامير الظرفية لتأسيس شرعية عهده الجديد، ولشد ازره في مواجهة عمه، رئيس الوزراء خليفة بن سلمان ورجل البلاد القوي طوال العقود الثلاثة الماضية.
شكلت رغبة الجميع في الخروج من عنق الزجاجة اساس تجاهل الامير ومستشاريه والمعارضة بأطيافها لتلك التحذيرات وتقليلهم من اهمية المعيقات التي يواجهها مشروع الاصلاح واعتبارها مجرد صعوبات مخاض لا مفر منها.
لقد كان واضحا منذ البداية ان احد ابرز المعيقات التي تواجه تحول البحرين الي دولة دستورية هو عدم تحديد دور العائلة الحاكمة في المملكة الدستورية التي ينوي الامير اقامتها. وكما هو الحال في بقية بلدان الخليج العربية فان للعائلة الحاكمة امتيازات تفوق ما تحلم به اكثر الفئات حظوة في المجتمع. وهنا لا نشير الي المردود المالي لهذه الامتيازات، بل وايضا الي ما تؤسس له من مصادر قوة سياسية واقتصادية واجتماعية والي ما توفره من حصانة قانونية او فوق قانونية.
تشير الدلائل الي ان الامتيازات التي يتمتع بها ابناء وبنات العائلة الخليفية قد ازدادت في عهد الامير الجديد بسبب حاجة الامير الي تطمين العائلة وضمان تأييدها المشروعة.
يلاحظ المتابعون في هذا الصدد ان نصف اعضاء الحكومة الاخيرة هم من ابناء العائلة، وهذه اعلي نسبة تستحوذ العائلة عليها منذ بداية التنظيم الاداري في البحرين عام 6291. واذ يتولي هؤلاء ما يعرف بالحقائب الاستراتيجية نلاحظ ايضا تزايد حصة العائلة الخليفية في المراكز الادارية العليا والوسطي في ادارات الحكومة والمؤسسات العامة رغم الحديث المتكرر عن المساواة وتكافؤ الفرص.
يبرر انصار الامير، ومن بينهم قيادات معارضة سابقة، استمرار هذه الامتيازات بتبريرات مختلفة ليس اقلها الحاجة الي عدم استفزاز الحرس القديم الذي يرونه يعد العدة للانقلاب علي المشروع الاصلاحي والعودة بالبلاد الي ما كانت عليه قبل انطلاقة العهد الجديد.
من الواجب الاشارة الي ان الدستور البحريني، وميثاق العمل الوطني، ينصان علي ان للأمير ذاتا لا تمس، ولكن الوثيقتين لا تتضمنان مهما تعسفت قراءتهما، اي نص علي حقوق خاصة بأفراد العائلة الخليفية. ولهذا يري المتابعون ان استمرار الامتيازات غير الدستورية وبقاءها دون حل يلعب دوره في تآكل مصداقية المشروع الاصلاحي وفي اجهاض جهود مؤيدي الاصلاح في تعبئة الناس حول مشروع بناء الدولة الدستورية.
يحتاج الامر الي وقفة جدية سواء من الامير وانصاره او من المعارضة، او ما تبقي منها. وتزداد الحاح الحاجة الي مثل هذه الوقفة في ظل مؤشرات متزايدة علي تململ الشارع البحريني وتعابير القلق من استنفاد الوعود الاصلاحية لدورها التنفيسي.
تشهد البحرين منذ اسابيع تحركات مطلبية لفئات اسكتتها الوعود الرسمية، وطمأنتها تأكيدات قيادات المعارضة، وعاشت علي أمل قرب الفرج، ومن ابرز هذه التحركات الاعتصامات التي ينفذها العاطلون عن العمل بمختلف فئاتهم.
وفي الوقت الذي يدعي فيه هؤلاء العاطلون الي التزام الهدوء وعدم افتعال معارك جانبية تحرف المسيرة الديمقراطية التي ستضمن حين تصل الي هدفها، للعاطلين حقوقهم.
يجد كثير من قياديي المعارضة انفسهم بين رحي الحركة المطلبية وبين سندانة النظام الذي يطالبهم باعطائه مزيدا من الوقت لترتيب اموره تمهيدا لاطلاق المشروع الاصلاحي، كما يطالبهم بالقيام بمسؤولياتهم في ضبط الجمهور لكيلا تستفز تحركاته الحرس القديم، ولكي يتم قطع الطريق، كما اشارت اخبار الخليج امام القوي التي تريد الاستفادة من اجواء الانفتاح السياسي لمواصلة تأجيج الاحتقان الجماهيري لصالحها.
لا تشكل الاعتصامات والتحركات المطلبية الاخري تهديدا جديا للتوافق القائم ما بين الامير من جهة وبين اطراف رئيسية في المعارضة الاسلامية والوطنية من الجهة الاخري.
الا ان الطرفين لا يستطيعان تجاهل ما تحمله من دلالات وما تشي به من امكانية بروز تطورات ليست في صالح ذلك التوافق القائم.
يري الصحافي البحريني عبد المنعم ابراهيم اخبار الخليج ان التحركات المطلبية التي تشهدها البحرين هي من صنع جماعة متطرفة تستخدم الانفتاح لكي تفشل المشروع الديمقراطي حسب قوله ولكي تجهز علي انجازات الدولة والمعارضة الوطنية معا. ويؤكد علي ان الجماعة المتطرفة تستخدم القضايا المطلبية لاحراج الدولة اولا، ولاحراج المعارضة الوطنية الاصلاحية ثانيا .
في هذا التشخيص كثير من المبالغة، الا انه يعكس قلقا تسببه هذه التحركات العفوية في الغالب بما تفرزه من اشكال جديدة من المقاومة المدنية والاحتجاج السياسي والمطلبي، وبما تسببه فعلا من احراج لقيادات المعارضة التي ما زالت تـــري ضرورة اعطاء الامير ما يحتاجه من الوقت لكي يحزم امره.
الا ان المستقبل قد لا يكون محصورا في احراج هذا الطرف او ذاك. شيئا فشيئا يبدو واضحا ان القيادات السياسية المتوافقة مع النظام او المنخرطة تماما في مشروعه السياسي لم تعد قادرة، كما كانت في السابق، علي ضبط الشارع. وتبرز قيادات ميدانية جديدة ممن كانوا في المعتقلات او المنافي وممن لا يقرون صبر قياداتهم علي تلكؤ النظام واستمراره في سياسة الابتزاز الذي يمارسه بتجويف الجميع بفزاعة الحرس القديم.
تتميز القيادات الميدانية بجرأة ملحوظة وبقدرتها علي اقامة شبكة من العلاقات تتجاوز الأطر الضيقة التي تفرضها الانقسامات الايديولوجية والتنظيمية والاثنية. وتستفيد تحركات هذه القيادات الميدانية الجديدة من سهولة تعاملها مع ادوات التواصل الحديثة بما في ذلك مواقع الانترنت مما يعطي لتحركاتها غير المنضبطة زخما اضافيا قلل من تأثير احتكار السلطة لاجهزة الاعلام ورقابتها علي ما تنشره الصحافة من انباء. لهذا وعلي الرغم من حصار اعلامي، استطاعت هذه القيادات الميدانية ان تكسب تعاطفا واسعا بين الجمهور، علي الرغم من ادانة السلطة لهم وامتعاض اغلب قيادات المعارضة من تحركاتهم، ومناشدتها لهم بالصبر شهورا اخري اضافية.
في الوقت الراهن، علي الاقل، لا تشكل التحركات المطلبية والاعتصامات تهديدا جديا للوضع القائم بما فيه التوافق القائم ما بين النظام واطراف في المعارضة الوطنية والاسلامية فما زال النظام قادرا علي احتواء التململ المتنامي.
الا ان ما قد يكون مصدر قلق للنظام هو ما قد يوفره هذه التحركات المطلبية من مبررات لبعض قيادات المعارضة واطرافها للمطالبة باعادة النظر في شروط علاقتها بالنظام. وهي شروط تبدو مجحفة بحق نضال المعارضة وتضحياتها طوال العقود الماضية. وبخاصة اضطرارها اما بسبب الابتزاز او المبالغة في قدرتها علي التذاكي، الي القبول باستمرار تجاهل الامتيازات الاقطاعية التي تتمتع بها العائلة الخليفية في ظل توزيع غير عادل للثروة الوطنية، علاوة علي اضطرارها للأسباب ذاتها، ان يكون الامير، وحده، هو صاحب القرار النهائي في تحديد حجم الاصلاح السياسي المطلوب، ومجالاته، وسرعته وحتي توقيته. وهي سلطة مارسها الامير عبر مكرمات متتالية يقدمها بالقطارة دون ادني اعتبار لمن يفترض ان يكونوا شركاءه في المشروع الاصلاحي، وبناء المملكة الدستورية.
ولربما وجدت اطراف المعارضة في التململ الشعبي المتنامي ما تشد به ظهرها ويخرجها من حالة استضعافها في حظيرة الاجماع، لتعود الي مواقعها الحقيقية في مقدمة جماهيرها.

القدس العربي ـ 30 أبريل 2002

 

 


 

حقوق الطبع محفوظة لقضايا الخليج © 2002      

Email:admin@gulfissues.net