|
لا شيء يثير الاهتمام
أحمد شهاب
من
الناحية العملية تتصف الساحة الكويتية بالكثير من الحيوية والنشاط،
لكنها ضمن التحليل الثقافي تتسم بالجمود والتوقف، فمستوى الحراك
السياسي والاجتماعي في ادنى مستوياته الانتاجية، ورغم ارتفاع حدة
الضجيج السياسي الا ان غياب التأسيسات السليمة يحول دون قدرة اعضاء
المجتمع على المساهمة في عملية البناء الوطني، يعود ذلك في احد
التفسيرات الى «الهزال الثقافي» الذي اصاب الجسد الكويتي بصورة عامة،
واعتبار أن طلب المعرفة، والبحث العلمي حالة نظرية منفصلة عن الواقع او
اقرب الى الطوباوية، فغابت الافكار المؤسسة، واتخذ كثير من الاعمال
شرعية البقاء والسيادة لكونها فرض الامر الواقع وليس اكثر.
في
الجدل حول توسعة قاعدة المشاركة السياسية يتم عادة الاستغناء عن
التفكير في المآلات بالانشغال بالفعل اليومي، والمعنيون بالامر يتهربون
من تقديم اجابات على اسئلة ضرورية في سبيل تحقيق مكاسب سريعة او شخصية،
لكون الاجابات الصريحة تضعهم في خانة الاحراج امام انفسهم وامام
الآخرين ممن استمرأوا استغفالهم لسنوات طويلة.
خذ
على سبيل المثال تحول بعض الجماعات السياسية من العمل السري والخاص الى
العمل العلني والقبول باستحقاقات العمل العام، الامر الطبيعي ان يتم
هذا التحول بعد سلسلة من المراجعات الفكرية يتم خلالها نقد الافكار
السائدة والممارسات اليومية والانفصال عنها تدريجيا ثم البحث عن
البدائل الملائمة، لكن في الساحة المحلية لا تشي التجارب لاسيما
الجديدة منها بهذه المراجعات او الرغبة في خوضها، بل تتم عن طريق تخوف
الجماعة من خسارة مواقع سياسية او اجتماعية مهمة، فيتم التحول بضغط
الواقع، ويكون عادة بوطء المبادىء التي كانوا يدعون انهم حراسها
وخزنتها، ولهذا السبب لا يؤدي انشقاق الجماعات او اندماجها الى تحسن في
الاداء العام، بل يتم اجترار ذات الاخطاء علنا بعدما كانت تمارس سرا،
ما الفرق بين الجماعة الام والجماعة المنشقة؟ الحق لا شيء يثير
الاهتمام.
في
هذا السياق لا يمكن توقع قفزات مهمة او تطويرات ذات شأن في العمل
السياسي المحلي رغم ضخامة الفرص المتاحة، او تلك التي سوف تتاح في
المستقبل، نطالب بتوسعة العمل السياسي ونؤكد ضرورة مشاركة المرأة
السياسية كحق ثابت وغير قابل للجدل او المساومة، لكن ضمن الواقع المحلي
استطيع ان اتوقع حجم المتغيرات التي سوف تحدث بعد مشاركة المرأة، اذ
ستتحول معاناة الشكوى من الرجل السوبر في الجماعات السياسية الى الشكوى
من المرأة السوبر، وستتصاعد حدة المساعي لالغاء كل النساء الناشطات
لعين امرأة واحدة تتجمع كل المكاسب في سلتها فهي المرشحة للوزارة،
ولوكالة الوزارة، وهي النائبة البرلمانية والكاتبة الصحفية والمديرة
التنفيذية ومسؤولة الجماعة ويتم تجاهل بقية الكفؤات، وسيكون المبرر
غياب جيل نسوي ثان، وضعف التأهيل النسوي، كما هي تبريرات الرجال عن
تهميش الآخرين، اذن ما التغيير الذي سوف يطرأ على شكل الحياة السياسية
في الكويت قبل مشاركة المرأة وبعدها؟... لا شيء يثير الاهتمام.
السبب في نظري يعود الى ان التحولات لا تقترن لدينا بالدراسة والتحليل،
ولا تزال الكثير من المواقف مبناها اعتباطي وليس شيئا آخر، والحق انه
لا يمكن بناء فكرة دون الانفصال عن الواقع القائم بدرجة، والعمل على
نقده وتشريحه واظهار مثالبه وعيوبه، وكما ان لدينا صفا عريضا من
المنتمين الذين يملكون كل الاستعداد لاتباع الوصايا والتضحية من اجلها،
ومن الدعاة الذين يهتمون بنشر الفكرة بعيدا عن التدقيق في مدى سلامتها
وصحة مبانيها، فمن الضروري ان نفسح مجالا خصبا لاصحاب الفكر لممارسة
ادوارهم النقدية المفترضة، عبر تهيئة مناخ الحرية والتفكير دون قيود او
ملاحقة، حتى لا نطأ زهور الابداع الفكري بأقدام المصالح، ونهشم
الانتصارات بأيدي الجهل، وحتى لا يتحول التفكير والتنوير الى جريمة،
ويظل المجتمع في دائرة الخيبة كما هو واقع الحال.
الوطن الكويتية 30-03-2005
|