|
قبل ساعة الاصلاح في السعودية
القمع أساس الملك!
فؤاد
ابراهيم
تصريح رئيس الاستخبارات السعودية السابق وسفير المملكة الحالي في
العاصمة البريطانية لندن الامير تركي الفيصل لبرنامج 6/6 الذي تبثه
قناة الكويت الفضائية يوم السبت من كل أسبوع، يفتح نافذة واسعة على
القضية الاكثر الحاحاً هذه الايام، وهي قضية الاصلاح السياسي. الامير
تركي أكد في الرابع عشر من ديسمبر الماضي للقناة بأن التغيير ـ في
السعودية ـ بات أمراً محسوماً، ولكن التغيير اذا ما تم فهو لن يكون
بناء على ضغوط خارجية او داخلية، فالمملكة لن ترضخ لمثل هذه الضغوطات.
ثمة رشوحات اخرى تؤكد هذا الاصرار على "تعطيب" دور العوامل الداخلية
والخارجية سواء بسواء في عملية التغيير السياسي، فالاصلاح اذا ما تم
فهو يسجّل ضمن قائمة المكرمات الملكية، فلا املاءات داخلية ولا خارجية،
فالملك وحده المانح والمانع، فإذا منح وجب الشكر واذا منع لزم الصبر.
هكذا تتلخص فلسفة الحكم في المملكة، وهي فلسفة قائمة على ملكية الارض
ومن عليها ملكاً مباشراً، ولذلك فالعلاقة بين الاعلى والادنى أي بين
الملك والرعية تحتكم الى سلسلة طويلة من "الاوامر السامية" والتي تشمل
كل عفو وتعيين واعفاء من المناصب وترقية..الخ.
وقد بات معلوماً إذا قضى الملك أمراً بتعيين وزير او وكيل او قائد
عسكري او رئيس بلدية او غيره فليس لهم الخيرة من أنفسهم. فمن يملك حق
التعيين يملك حق الاعفاء. هكذا هو مقتضى وفلسفة الملك.
الظروف السياسية التي شهدتها المملكة منذ تأسيسها عام 1932 أملت
أوضاعاً معينة على الطبقة الحاكمة الممثلة في العائلة السعودية، بدأت
أولاً بالاوضاع الادارية في الحجاز والتي انتجت مجلساً للشورى كمرحلة
انتقالية في عملية نقل مراكز الجاذبية السياسية من الساحل الى الداخل
أي من الحجاز الى نجد ثم حرب اليمن والنقاط العشر التي أعلنها الملك
فيصل والتي وصفت باعتبارها التأسيس الثاني للمملكة او الانتقال من
مرحلة السلطة (عهد المؤسس الملك عبد العزيز وبعضاً من عهد الملك سعود)
الى مرحلة الدولة، ومن التطور الانقلابي على الضفة الشرقية من الخليج
عام 1979 وبداية المواجهة بين نموذجين من الاسلام: الاسلام المحافظ
والاسلام الثوري، واخيراً أزمة الخليج الثانية منذ فجر الثاني من أغسطس
1990 والتي أطاحت بشبكة التحالفات الداخلية والخارجية ووضعت الدولة
أمام تحدي الاصلاح او الدخول في مواجهة مفتوحة مع قوى الاصلاح
المتنامية والممتدة على الجغرافية السياسية للمملكة.
الاوضاع الناشئة عن أزمة الخليج الثانية فرضت معادلة سياسية كان لا بد
للحكومة السعودية التعاطي معها، وإن ارتطمت بالأساس الايديولوجي
والفلسفي للحكم. تلك المعادلة أدخلت قوى جديدة في العملية السياسية
المحلية وفرضت على النخبة الحاكمة الاصغاء للرسالة السياسية التي حملها
دعاة الاصلاح وأوصلوها عبر سلسلة العرائض للملك. هذه الرسالة كانت دون
ريب ثقيلة وضاغطة وهذا ما دفع بالحكومة لاستعمال أقصى درجات المقاومة،
ولأن القوى السياسية المحلية كانت تعمل في جزر منفصلة فإن فرص تحييدها
او احتواء خطرها و تشتيت جهودها عبر اشغالها عن همومها الرئيسية من
خلال اشتقاق قنوات اهتمام فرعية تزيح جهود هذه القوى من المسار المطلبي
العام بتعبيراته الوطنية الى خطوط فرعية متعرجة تنحصر في هموم شخصية
واخرى فئوية وثالثة حزبية وباقي الاشكال الانقسامية.
والاشد خطورة في انشطار القوى السياسية المحلية هو ما ينتجه من قدرة
اضافية للسلطة لقمع خصومها والانفراد بهم كمقدمة لتصفيتهم سياسياً
واحياناً أمنياً باعتقالهم ومنعهم من السفر وفصلهم عن وظائفهم ومراقبة
حركتهم في الداخل. ولأن السلطة ترى في كل هذه القوى السياسية مجرد
"خوارج" على الشرعية، فإن الاساس الشرعي للقمع لن يتطلب جهداً
استثنائياً.
ومع اشتداد وتائر النشاط المطلبي الاصلاحي وتسارعها، كما تترجمها لغة
النخب السياسية والفكرية في مقالاتها ولقاءاتها التلفزية، وكما تتوعد
بها الادارة الاميركية فإن ثمة اصراراً من جانب الحكومة على اللجوء
لخيار القمع لمقارعة "تهديد" الاصلاح السياسي القادمة من الداخل اولاً،
والمساومة عليه الادارة الاميركية في الخارج.
وكما الحال في مرات عديدة سابقة، دخلت وزارة الداخلية كلاعب غاشم في
حلبة المواجهة ضد التيار الشعبي الاصلاحي، وبدأت حربها ضد دعاة
الاصلاح. حرب تقليدية معلومة تفاصيلها: قرارات منع السفر ضد الناشطين
اصلاحياً، استدعاءات عن طريق الهاتف وابلاغ رسائل تهديد بالعقاب حال
ظهورهم على شاشات القنوات الفضائية المصنفة في خانة الخصوم او ربما
الاعداء كقناة الجزيرة، وتعطيل اجراءات سفرهم، وتعمد تأخير اجراءات
تأشيرات الدخول والخروج عند المنافذ البرية والجوية، واخيراً الاعتقال.
إنها فعلاً قائمة بات رجال الاصلاح يحفظونها عن ظهر قلب، وهو ما يجعلها
ذات تأثير ضئيل، فمتى عرف حجم العقاب وزمنه ونتيجته قلّت خطورته وهانت
الخشية منه، فالعقاب يكون أشد ايلاماً حين لا يعرف كنهه، ووقته،
ونتائجه.
ومنذ بدأت نداءات الاصلاح تصدر من اتجاهات متعددة في الحجاز ونجد
والمنطقة الشرقية ومن أطياف سياسية وايديولوجية متنوعة: وطنية ودينية
وليبرالية، والمتزامنة هذه المرة مع تصريحات شديدة اللهجة من الادارة
الاميركية تلح على ادخال البضاعة الديمقراطية الى السوق السعودية، في
وقت يتنامى فيه الاحتجاج الشعبي والرسمي داخل الولايات المتحدة ضد
الحليف الاستراتيجي المتهم الأول في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، اقول
منذاك ووزارة الداخلية السعودية (المسؤولة المباشرة عن أحداث العنف في
البلاد، والمتهمة بفشلها في ضبط مصادر العنف في الداخل والتي كانت من
أبرز تمظهراتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر)، تعبىء صفوفها من أجل
الشروع في حملة قمع جديدة ضد رجال الاصلاح والناشطين في مجال العمل
الديمقراطي التغييري، والعودة الى القائمة التقليدية للقمع.
ويجدر الالتفات هنا الى أن القمع لا يعني تعطيل خيار التغيير، والحكومة
تدرك بأن ذاك خيار لا خيرة لها فيه، ولكن ما يأمل "رجل الأمن" كما يصف
وزير الداخلية نفسه تحقيقه من القمع هو تخفيض حجم التغيير، وهو ما جرى
ايضاً في المرات السابقة. وحتى يكون التغيير "مكرمة ملكية" لابد أن
يأتي دون مستوى التطلعات الشعبية. فالطموح العام لدى القوى السياسية
بكافة اطيافها بلغ مستوى يستحثها لأن تحذو حذو الاحزاب الديمقراطية
السائدة مع قبولها ببقاء الملكية ولكن المقيّدة بدستور، أي الملكية
الدستورية.
إن انطفاء لغة النقد ضد السعودية في بعض المحطات الفضائية العربية في
المهجر، والمساعي المتصلة من اجل اخماد البؤرة الاكثر اشتعالاً، أعني
قناة "الجزيرة" او لا أقل محاصرة تأثيراتها لم تكن سوى تعبيرات خارجية
للقمع الداخلي. فقائمة "ضحايا الفكر والرأي والتعبير في المملكة" كما
تعدها هذه الايام شبكة "طوى" الالكترونية وقائمة "ضحايا الاختلاف في
الرأي" الذي يعده "المركز السعودي لدراسات حقوق الانسان" تتزايد
باضطراد. ويعبّر كثير من حملة الرأي ودعاة التغيير وبأصوات مسموعة عن
استيائهم من التدابير القمعية التي تستعمل بحقهم من جانب وزارة
الداخلية، لا لشيء الا أنهم مارسوا حقاً اصيلاً من حقوقهم التكوينية
وهو التعبير. ولكنهم من جهة اخرى، يسخرون من هذه التدابير كونها تستعمل
بعد انتهاء صلاحيتها، فهي قائمة لا تصلح لزماننا هذا الذي لم تعد
الحكومة قادرة فيه على احتكار وسائل التعبير.
التجاذب المحتدم بين الحكومة وقوى الاصلاح يفرض حشد أوراق ضغط وتعبئة
كل مصادر القوة من اجل كسر ارادة الطرف الآخر، ما لم يتوصل الطرفان الى
حل سلمي. بالنسبة للحكومة السعودية يبدو القمع ورقة ضغط رئيسية، سيما
مع تلاشي او تهافت أوراق الضغط الاخرى مثل المال والتحالفات الداخلية
وصناعة الشراكات الاستثنائية والمرحلية. ومع عدم ظهور مؤشرات "مرونة"
لدى الحكومة السعودية لجهة التوصل الى تفاهم على طبيعة التغيير
وآلياته، فإن المملكة ستشهد في المرحلة القادمة تجاذبات حادة بين
الحكومة وقوى التغيير، واذا ما دخلت وزارة الداخلية كطرف في حركة
التجاذبات هذه في ظل اختفاء عناصر اخرى (المال ومشتقاته) فإن ثمة نتائخ
وخيمة تتربص بأسس استقرار الدولة. |