|
السعودية تضيع بوصلتها العراقية
حمزة الحسن
لم تثبت المملكة علي موقف واحد بشأن العراق بعد. هناك موقفان يكشفان
مدي الحيرة السعودية تجاه هذا البلد العربي الذي أقحم نفسه وعدداً من
الدول العربية المجاورة في منعطفات خطيرة.
هناك تيار ولي العهد الأمير عبد الله ومن ورائه التيار الشعبي العريض
في المملكة بمختلف توجهاته وأطيافه السياسية والرافض للحرب الأمريكية
ضد العراق والمساهمة فيها. أما التيار الآخر الذي يمثله الأمير سلطان
وزير الدفاع فهو وإن بدا في بعض الأحيان أكثر خشونة في اللفظ والتصريح
(بغية كسب التيار السلفي) فإنه في واقع الأمر الأكثر قرباً من الأطروحة
الأمريكية، والأكثر استعداداً للتناغم مع مشروع الحرب الأمريكي، وإن
علي مضض، حيث العيون مسلّطة علي كرسي الحكم وحيث الصراع بين أجنحة
العائلة قد خرج من دائرة السرّ الي العلن، وحيث المخاوف الشديدة من
آثار الحرب علي الواقع السعودي الداخلي.
من الواضح خلال الإثني عشر عاماً الماضية، أن المملكة دون بقية الدول
المحيطة بالعراق، لم تكن لديها سياسة واضحة تجاهه، وهي دون غيرها
(اللهم إلا باستثناء الكويت) الأقل امتلاكاً لهامش المناورة، والأقل في
استحضار البدائل التي يمكن أن تدرأ عنها بعض الأخطار المتوقعة. ثلاثة
أسباب رئيسية جعلت السعوديين أسري لسياسة يصنعها غيرهم:
الأول: وثاقة ارتباطهم بالولايات المتحدة الي حدّ الإرتهان.
والثاني: حراجة الموقف السياسي السعودي الناتج أساساً من كون السعودية
دولة وأفراداً ومؤسسات متهمة بدعم الإرهاب، والمشجع الرئيسي له، خاصة
وأن استراتيجية أمريكا في الحرب علي الإرهاب تواجه مزيداً من المقاومة
من أفراد وجماعات إما سعودية أو لها علاقة بها. أمرٌ كهذا يجعل معارضة
الحكومة السعودية لمنهج الحرب الأمريكية وكأنها تؤكد التهمة علي نفسها،
في وقت يسعي فيه اللوبي المعادي للسعودية لتصيّد الأحداث وجمعها ضمن
سياق تأكيد التهمة وبالتالي استهداف المملكة كدولة والعائلة المالكة
كحكومة في المواجهات القادمة. ولهذا يحاول أكثر الأمراء السعوديين
التعاطي مع مشروع الحرب الأمريكي ضد العراق بإيجابية، إيثاراً للسلامة
من جهة، وتخفيفاً للضغوط المحتملة القادمة.
السبب الثالث: هو نظرة المملكة الخاصة تجاه العراق، فهي علي عكس الدول
المجاورة في الجملة، لا توجد لها خلافات تاريخية علي أراضٍ أو ما يظنّ
أنه أطماع (تركيا وإيران مثلاً) ولا أهداف سياسية (كالهاشميين في
الأردن حكام العراق الملكي، والبعثيين في سورية من زاوية الخلاف
الإيديولوجي). المملكة نظرت الي العراق ـ ومنذ نشأة الدولة العراقية ـ
علي أنه مصدر خطر وإقلاق، وأنه ـ تاريخياً ـ بلد مشاكل ومشاكسات ومصاعب
لا يغري بتشكيل نفوذ فيه، كما هو الحال مع مصر والأردن وسورية وغيرها.
ولم تكن العلاقات معه طيلة العقود الثمانية الماضية ـ عدا فترة الحرب
ضد إيران ـ إلا باردة باهتة يلفّها الخوف وتعتريها الريبة. ومن هنا فإن
النظرة السعودية للعراق كانت ولاتزال علي الأرجح حتي الآن محكومة بهذا
التوجس الأمني.. إنها نظرة دفاعية في الأساس، مرة ـ كما شهد العهد
الملكي في العراق ـ خشية علي الحجاز، موطن الهاشميين الأصلي.. وفي
العهد الجمهوري، كان الخوف من انتقال العدوي الثورية، يسارية وقومية،
ثم جاء البعث فانبعثت المخاوف من جديد في ظروف الحرب والتوتر خلال
العقدين الماضيين.
من أجل المقارنة فحسب، فإن الأوراق التي تمتلكها المملكة اليوم لدرء
المخاطر عن نفسها والمتأتية من العراق، سواء كان علي وضعه الحالي أو
إذا ما احتلّ من قبل العسكر الأمريكي، هي أقل من الأوراق التي تمتلكها
نظيرتاها سورية وإيران، والأخيرتان تعدان مثلما المملكة من بين الدول
المستهدفة فيما لو احتلّ العراق. فسورية وإيران تمسكان ببعض خيوط
المعارضة العراقية، شيعية وكردية وحتي سنيّة ومن مختلف الأصناف
(إسلامية وقومية ويسارية) وتستطيعان منفردة أو مجتمعة أن تلعبا دوراً
مستقبلياً في العراق الي الحدّ الذي ربما يمكّنهما من درء الضرر من
العراق (الأمريكي) القادم. مثال أفغانستان واضح، فالنظام هناك لم
يتحوّل ضد إيران كما هو مفترض، والسبب أن أطرافاً قوية في الحكم كانت
لها علائق وثقي بالحكم في ايران. ذات الأمر قد يتكرّر بالنسبة للدولتين
مع العراق، ولربما استطاعتا ـ إن امتلكتا الإرادة السياسية ـ المساومة
قبل وبعد الحملة العسكرية.
المملكة من جانبها، لا تزال حبيسة سياستها القديمة. فقد مرّت عليها
فرصٌ سانحة لاستثمارها ولكنها كانت غير قادرة أو بالأصح غير راغبة في
استثمارها، وكأنّ الشأن العراقي لا يعنيها من قريب أو بعيد. بعيد حرب
الخليج الثانية، لجأ الي المملكة أكثر من 35 ألف عراقي، بينهم نحو
ثلاثة آلاف ضابط عدا الجنود، لم تستطع استيعابهم ضمن سياساتها ولا ضمن
مبادئ الإنسانية وحقوقها المتعارف عليها بشأن اللاجئين، فتوجست منهم
خيفة وحاصرتهم في معسكرات رفحا والأرطاوية والدوادمي، أغرت فيما بعد
بعضاً منهم بالعودة الي العراق مع ما في ذلك من مخاطر، ومع تزايد
الإضطرابات في مخيمات (خمس نجوم) كما كان يدّعي، ومنع اللاجئين من
الإختلاط والخروج من حدود المعسكرات، لجأ أكثرهم الي عدد كبير من دول
العالم، وتبرعت دول اوروبا واستراليا وسورية لاستقبالهم.
هناك من بين أركان الحكم من يعتقد بأن المملكة ضيّعت فرصة ثمينة وأساءت
الي سمعتها، وكان بإمكانها استيعابهم وتشكيل نواة عسكرية منهم الي أن
تنجلي الأوضاع السياسية في العراق، بدل تحويلهم ـ بالضرورة ـ الي أعداء
وفي أحسن الأحوال الي مستائين من الحكم السعودي برمته.
انخرطت المملكة ولأول مرة بعمق في الشأن العراقي الداخلي بعد انتهاء
الحرب، عبر مؤتمر قوي المعارضة العراقية عام 1991. وهناك أراد تركي
الفيصل واللواء محمد العتيبي فرض إرادة بلادهما علي المعارضين
العراقيين، مع وعود مغرية بالمال، ولكنها فشلت في ذلك. وكان السبب كما
هو الحال دائماً، أن مسؤولي الإستخبارات دون مستوي وعي القضية العراقية
وتشعباتها، بل ان القيادة السعودية برمتها غير مدركة الي اليوم لطبيعة
الأحزاب وعملها وأيديولوجياتها وعوامل الجذب السياسي التي تتعرض لها.
كانت تعتقد أنها بضابط عسكري صغير تستطيع أن تتعامل مع وزراء ورؤساء
وزراء وجنرالات وضباط وقيادات حزبية عريقة، وبأساليب تتسم بالإستخفاف
والصلافة في كثير من الأحيان. فعلي سبيل المثال كانت تريد أن تفرض
ثلاثة أمور في المؤتمر: أن تضع قيادة من عندها، وهي قيادة عراقية سنيّة
عسكرية مضت عقود علي تركها للشأن السياسي العراقي. إضافة الي إصرارها
علي أن لا تتعامل مع أصحاب (اللفات) أي العمائم، وأيضاً أن تتعامل مع
أفراد وليس مع أحزاب أو ممثلي أحزاب.. وهذه شروط لا نظن أن واعياً
يعتقد بإمكانية فرضها. غير أن المملكة ـ وللحق ـ وجدت معارضة عراقية
متعددة ومفككة، لا يرضي أحدها في الغالب عن الآخر ويحاول إقناع
المسؤولين السعوديين بأهميته دون باقي زملائه، مرّة اعتماداً علي القرب
المذهبي، ومرّة بالتخويف من الأصولية، وأخري بتخويف السعوديين من
الشيوعية واليسارية، ورابعة بالعزف علي الإنفصالية والكردية.. الخ. وقد
أدي هذا الي برود سريع من الجانب السعودي، وانكفاء علي السياسة القديمة
خاصة وأن مخاطر العراق بدأت بالإنحسار، وقرار التغيير تحوّل شيئاً
فشيئاً الي يد الولايات المتحدة بدلاً من الدول الإقليمية الأساسية:
سورية وإيران والسعودية وأيضاً تركيا.
حاول الأمريكيون من جهتهم استثمار المعارضة العراقية، وبادروا باستقطاب
(بعض) أطرافها (تحديداً المؤتمر الوطني العراقي) ودعموها سياسياً لكي
تلقي قبولاً لدي الدول المجاورة وانتظاراً للفرصة السانحة من أجل تغيير
الخارطة السياسية العراقية لصالحهم. الدول الإقليمية المعنية لم تشهر
عداءها الصريح للخيار الأمريكي وحاولت أن تجد (عناصر) يمكن التفاهم
معها او جرّها بعيداً نسبياً عن المعسكر الأمريكي ولو بعد حين. أما
المملكة، فلم تكن لديها رؤية واضحة وشعرت وكأن الأمريكيين يريدون فرض
خيار عليهم لا يرغبون فيه، لا لأن تلك المعارضة أمريكية الميول
والتوجّه، بل لسببين: طائفي بمعني أن المملكة ضد أن يحرز شيعة العراق
الأكثرية السياسية فيه، واستراتيجي، وهو الخشية من تقسيم العراق وخاصة
من قبل الأكراد.
لذلك نلاحظ أن المملكة بعيدة كل البعد عن التيارين الرئيسيين في
العراق: الأكراد والشيعة، وهما التياران الراجحان سياسياً في حال جري
تغيير النظام الحالي في العراق. المملكة وإن استقبلت ذات مرة السيد
باقر الحكيم، فإنها لم تبق علي صلات طيبة معه، ربما بسبب الضغوط
السلفية المحلية التي أعلنت عن امتعاضها الصريح لاستقباله، وفي الجانب
العلماني الشيعي، استقبلت لمرة واحدة أحمد الجلبي بعد لأي وأغضبته، إن
لم نقل أهانته، فكشف بعدئذ عن عداء للنظام في المملكة متهماً إياه بأنه
عدو للشعب العراقي، وكان بعدئذ من السبّاقين في الإشارة بإصبع الإتهام
الي (الوهابية) كحاضنة للإرهاب العالمي. وحتي الأكراد، لا يبدو أن
الحكومة السعودية معنية بهم وبقياداتهم وهم الذين يطوفون الدول
الإقليمية وحتي مصر فضلاً عن العواصم الغربية يحشدون الدعم والتأييد.
لا يمكن لمثل هذه العلاقة المتوترة مع الأطراف الرئيسية العراقية،
مصحوبة بموقف المملكة التحريضي ضد الإنتفاضة الشعبية في 1991 والذي سبب
غصّة لدي الجمهور العراقي، لا يمكن لذلك إلاّ أن يشي بمستقبل سيئ في
العلاقات السعودية العراقية، ولربما أدّي في المستقبل الي تحوّل العراق
الي قاعدة عداء سافر للسعودية، وكأن كل ما سيحدث لا يعدو استبدال عدو
بعدو آخر.
وإزاء غياب استراتيجية واضحة تجاه القضية العراقية، وتضاؤل موقع
السعودية في التغيير، حتي من باب الإستشارة الامريكية، وهو تطور حصل
بعد أحداث سبتمبر 2001، فإن صانع القرار السعودي بطرفيه (جناح الأمير
عبد الله والجناح السديري) لم يتوصل في هذه القضية ـ كما في قضايا
عديدة داخلية وخارجية أخري ـ الي قرار حاسم سواء بشأن دعم الجهد
العسكري الأمريكي في الحرب ضد العراق، وهو ما سيحدث علي الأرجح، رغم أن
الأمير عبد الله أعطي إشارات معاكسة تماماً لذلك، بدأت بقمة بيروت
الأخيرة حيث المصالحة أو المصافحة مع رئيس الوفد العراقي طه ياسين
رمضان، وانتهت بفتح الحدود مع العراق في أواخر شهر أكتوبر الماضي،
مروراً بإغلاق الإذاعة المعارضة للنظام العراقي والتي كانت تبث برامجها
من جدة منذ حرب الخليج الثانية وتسريح العاملين فيها. وقد وصف أحد
المحللين السعوديين السياسة السعودية بأنها تراهن علي حصان خاسر، وحج
الي البيت الحرام بعد انتهاء الموسم! ولكن لا يبدو أن مشكلة السعودية
منحصرة في مشاركتها أمريكا حربها في العراق من عدمه فحسب، فالسؤال الذي
يلحّ دوماً هو: ما هي الأدوات التي تمتلكها المملكة في عراق المستقبل
المحكوم أمريكياً والتي تستطيع من خلالها إيجاد بعض الكوابح لمنع تحوّل
ذلك البلد الي قاعدة عداء لها؟ أليس من الخطير أن يجتمع عداء الولايات
المتحدة مع نظام حكم معاد في العراق؟
خلال الأسابيع الماضية، بدأت الحكومة السعودية تتلمس حلفاء لها في
معسكر المعارضة العراقي. ومن الطبيعي أن السهام تتجه أول ما تتجه ـ كما
عوّدتنا المملكة ـ الي سنّة العراق، فبدأت بتفعيل جموع من النخب
المقيمة في المملكة، والتي طال انتظارها وإهمالها، وأعدّت عدتها لعقد
مؤتمر، كما بدأت بخطاب سياسي غير عادي يفيد في جانب ويضرّ في آخر. خطاب
يظهر المملكة كمدافع أول عن حقوق وحصّة سنّة العراق (العرب) السياسية
من خطر الإنتقاص في قادم أيام التغيير، والخطاب بهذا الحال قد يحمل
إغراءً لكثيرين ويفيد في الحشد السياسي عبر التكتيل (المذهبي) لعناصر
متنافرة سياسياً وحزبياً. ومن جهة ثانية، فإن هذا الخطاب غير المعهود
الي حد كبير في البيئة السياسية العراقية، ستكون له انعكاسات من جنس
العمل، ويزيد من تطييف السياسة العراقية لن تكون محصّلته النهائية
بصالح السعودية ولا المعارضة العراقية بمختلف فصائلها.
من حق المملكة، إن لم يكن من واجبها ومصلحتها، أن تدافع عن سنّة
العراق.. ولكن يجب أن يكون ذلك بـ (إخراج) حسن، وليس بلبوس طائفي فاقع،
علي النحو الذي بدأ يردده الإعلام السعودي، أو كما فعلت إحدي مجلاته
الصادرة في الخارج مؤخراً.
ما ينقص صانع القرار السعودي في الوقت الحاضر إعادة تقييم للوضع
العراقي، ومراجعة للسياسات القديمة، ووضع استراتيجية للمستقبل في حال
بقي النظام الحالي في العراق أو رحل، تعتمد في الأساس علي موازنة تراعي
المصالح الخاصة بالسعودية كدولة ونظام وشعب، وبشكل لا يتعارض مع مصالح
الشعب العراقي ومصالح الأمة العربية قدر الإمكان. إن المملكة لا تستطيع
أن تخطّ لنفسها سياسة منفردة، ولا تستطيع أن تقاوم المخاطر بدون تنسيق
مع الدول العربية والإقليمية الأخري المعنية بالشأن العراقي. وإذا كانت
لا تستطيع في ظروفها الراهنة أن تقود تحالفاً إقليمياً يحميها ويحمي
الشعب العراقي، فإن خياراتها الطبيعية يجب أن تتوجه الي تمتين روابطها
السياسية مع الدول المتضررة والمستهدفة من العدوان الأمريكي، مع تصليب
لوضعها الداخلي عبر الإنفتاح السياسي الذي يكفل إقحام الشعب السعودي في
خضم الشأن السياسي واستثماره في الدفاع عن وطنه واستنهاض همته في
المواجهة مع المعتدين الجدد. هذا لا يعني بالضرورة ربط مصير نظام الحكم
في المملكة بمصير نظام الحكم في العراق، بل اعتماد سياسة انقاذ ما يمكن
انقاذه ودفع الضرر عبر سياسات تقدّم الأهم علي المهم، واختيار أهون
الشرّين. |